فصل: تفسير الآيات (138- 139):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (136- 137):

{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}
قوله عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: يستقلون.
والثاني: يستذلون وهم بنو إِسرائيل.
{مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يريد الشرق والغرب، قاله ابن عيسى.
والثاني: أرض الشام ومصر، قاله الحسن.
والثالث: أرض الشام وحدها شرقها وغربها، قاله قتادة.
{الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} فيه قولان:
أحدهما: بالخصب.
والثاني: بكثرة الأنهار والأشجار والثمار.
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} فيها قولان:
أحدهما: أن تمام كلمة الحسنى ما وعدهم من هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض بقوله: {عَسَى رَبُّكُم أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُم وَيَسْتَخْلِفَكُم} وسماها الحسنى لأنه وعد بما يحبون.
والثاني: هو قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِنَ لَهُم فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5، 6].
وفي قوله: {بِمَا صَبَرُواْ} وجهان:
أحدهما: بما صبروا على أذى فرعون.
والثاني: بما صبروا على طاعة الله.

.تفسير الآيات (138- 139):

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)}
قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} في {متبر} ثلاثة أوجه:
أحدها: باطل، قاله الكلبي.
والثاني: ضلال، حكاه أبو اليسع.
والثالث: مهلك، ومنه التبر، الذهب. وفي تسميته بذلك قولان:
أحدهما: لأن موسى يهلكه.
والثاني: لكسره، وكل إناء مكسور متبّر قاله الزجاج. وقال الضحاك هي كلمة نبطية لما ذكرنا.

.تفسير الآيات (140- 141):

{قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}
قوله عز وجل: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ ءَآلِ فِرْعَوْنَ} قال هذا يذكر بالنعمة.
{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ} أي أشد العذاب.
{يُقَتّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} أي يقتلون أبناءكم صغاراً ويستحيون نساءكم للاسترقاق والاستخدام كباراً.
{وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن ما فعله فرعون بكم من قتل الأبناء واسترقاق النساء بلاء عليكم عظيم، قاله الكلبي.
والثاني: أنه ابتلاء لكم واختبار عظيم، قاله الأخفش.
والثالث: أن في خلاصكم من ذلك بلاء عظيم، أي نعمة عظيمة، قاله ابن قتيبة.

.تفسير الآية رقم (142):

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)}
قوله عز وجل: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} فيها قولان:
أحدهما: أن الثلاثين ليلة شهرٌ أمر بصيامه، والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه.
والثاني: أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه، أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم زيدت عشراً بعدها. وقد قيل إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، حكي ذلك عن مجاهد، وابن جريج، ومسروق.
{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} يعني أن اجتماع الأجلين تمام أربعين ليلة، ليدل بذلك على أن العشر هي ليال وليست ساعات.
فإن قيل: فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين، فما معنى قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً}.
فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه تأكيد في الذرك فلم يمتنع.
والثاني: كان وعده إلى الجبل الذي كلمه فيه.
والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن يكون من جملة الثلاثين لأن تمام الشيء بعض منه.
فإن قيل: فلم زاد في أجل وعده بعد الثلاثين عشراً جعلها أجلاً ثانياً فأخر بها موعده؟
قيل عن ذلك جوابان:
أحدهما: أن قومه تأخروا عنه في الأجل الأول فزاده الله لتأخرهم عنه أجلاً ثانياً ليحضروا.
والثاني: لأن قومه عبدوا العجل بعده فزاده الله أجلاً ثانياً عقوبة لهم.
ويحتمل جواباً ثالثاً: أن الله فعل ذلك به اختباراً لقومه ليتميز به المؤمن من المنافق ويعرف به المتيقن من المرتاب.
والفرق بين الميقات والوقت وإن كانا من جنس واحد أن الميقات ما قدر لعمل، والوقت قد لا يتقدر لعمل.

.تفسير الآية رقم (143):

{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)}
قوله عز وجل: {قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظُرُ إِلَيْكَ} الآية، في سؤال موسى ذلك لربه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليرد عليه من جواب الله ما يحتج به على قومه حين قالوا: {لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] مع علم موسى بأنه لا يجوز أن يراه في الدنيا.
والثاني: أنه كان يعلم ذلك باستدلال فأجب أن يعلمه ضرورة.
والثالث: أنه جوّز ذلك وظنه وأن رؤيته في الدنيا ممكنة، قاله الحسن، والربيع، والسدي.
فأجابه الله بأن {قَالَ لَن تَرَانِي}.
ثم أظهر في الجواب ما يعلم به استحالة مسألته فقال: {وَلَكِن انظُرْ إلىَ الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} لأن الجبل إذا لم يستقر لرؤيته فالإنسان بذلك أولى.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للِجَبَلِ} معنى تجلى ظهر مأخوذ من جلاء العروس إذا ظهرت، ومن جلاء المرآة إذا أضاءت.
وفي تجليه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل.
والثاني: أنه أظهر للجبل من ملكوته ما تدكدك به، لأن الدنيا لا تقوم لما يبرز من ملكوت السماء.
والثالث: أنه أبرز قدر الخنصر من العرش.
والرابع: ظهر أمره للجبل.
{جَعَلَهُ دَكّاً} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: يعني مستوياً بالأرض، مأخوذ من قولهم ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام، قاله ابن قتيبة وابن عيسى.
والثاني: أنه ساخ في الأرض، قاله الحسن وسفيان.
والثالث: أنه صار تراباً، قاله ابن عباس.
والرابع: أنه صار قطعاً.
قال مقاتل: وكان أعظم جبل بمدين تقطع ست قطع تفرقت في الأرض، صار منها بمكة ثلاثة أجبل: ثبير وغار ثور وحراء. وبالمدينة ثلاثة أجبل: رضوى وأحد وورقان. والله أعلم.
{وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} فيه قولان:
أحدهما: ميتاً، قاله قتادة.
والثاني: مغشياً عليه، قاله ابن عباس، والحسن، ابن زيد.
قال ابن عباس: أخذته الغشية الخميس من يوم عرفة وأفاق عشية الجمعة وفيه نزلت عليه التوراة وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وفيها عشر آيات أنزلها الله في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في ثماني عشرة من سورة بني إسرائيل.
{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه تاب من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها.
والثاني: أنه تاب من اعتقاده جواز رؤيته في الدنيا.
والثالث: أنه قال ذلك على جهة التسبيح وعادة المؤمنين عند ظهور الآيات. الدالة على عظيم قدرته.
{وَأَنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} فيه قولان:
أحدهما: أول المؤمنين بأنه لا يراك شيء من خلقك، قاله ابن عباس، والحسن:
والثاني: وأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية.

.تفسير الآيات (144- 145):

{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
قوله عز وجل: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ} الآية في {وَكَتَبْنَا لَهُ} قولان:
أحدهما: فرضنا، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أي فرض.
والثاني: أنه كتابة خط بالقلم في ألواح أنزلها الله عليه.
واختلفوا في الألواح من أي شيء كانت على أربعة أقاويل:
أحدها: أنها كانت من زمرد أخضر، قاله مجاهد.
والثاني: أنها كانت من ياقوت، قاله ابن جبير.
والثالث: أنها كانت من زبرجد، قاله أبو العالية.
والرابع: قاله الحسن كانت الألواح من خشب، واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه.
وفي قوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} قولان:
أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والمباح والمحظور والواجب وغير الواجب.
والثاني: كتب له التوراة فيها من كل شيء من الحكم والعبر.
وفي قوله: {مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً} تأويلان:
أحدهما: أن الموعظة النواهي، والتفصيل: الأوامر، وهو معنى قول الكلبي.
والثاني: الموعظة: الزواجر، والتفصيل: الأحكام، وهو معنى قول مقاتل.
قال: وكانت سبعة ألواح.
{فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: بجد واجتهاد قاله السدي.
والثاني: بطاعة، قاله الربيع بن أنس.
والثالث: بصحة عزيمة، قاله علي بن عيسى.
والرابع: بشكر، قاله جويبر.
{وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} لم يقل ذلك لأن فيها غير حسن، وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن أحسنها: المفروضات، وغير الأحسن: المباحات.
والثاني: أنه الناسخ دون المنسوخ.
والثالث: أن فعل ما أمر به أحسن من ترك ما نهي عنه لأن العمل أثقل من الترك وإن كان طاعة.
{سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} فيها أربعة أقاويل:
أحدها: هي جهنم، قاله الحسن، ومجاهد.
والثاني: هي منازل من هلك بالتكذيب من عاد وثمود والقرون الخالية، لتعتبروا بها وبما صاروا إليه من النكال، قاله قتادة.
والثالث: أنها منازل سكان الشام الجبابرة والعمالقة.
والرابع: أنها دار فرعون وهي مصر.
وقرأ قسامة بن زهير {سَأُوْرِثُكُمْ}.